السبت، 12 نوفمبر 2011

هو الشتاء ما أن يأتي حتى تطفو جراحاتنا للسطح


لم يزعجني في ذاك المكان سوى زئير الشتاء حولي .. وأنت تعلمين يا أمي أني أكره البرد، والصيف يصيبني بالخوف
 في تلك البقعة يتشكل الليل كالفضاء يا أمي .. وحده السكون يمشي على أطراف أصابعه هناك ..

كان علي أن أنام باكرا هذه الليلة ..لان الغد سيكون شاقا ..


 نام الجميع يا أمي وحدي بقيت على أطراف الليل معلقة كنورس يتيم ..



على نافذة الغرفة يرقد طير جريح ولا أستطيع معه سبيلا .. هاتف صديقتي النائمة بجانبييصيبه بالفزع .. وبجواره ينام فرخ جائع يرتجف .. أقضي الليل يا أمي وأنا أراقب الطير وفرخه وداخلي يمطر شوقا لقلوب تنام غريرة العين هناك في مدينتنا ..
 شيء ما يغتالني يا أمي يهدمني بمعول الخيبات .. السماء هنا يا أمي زرقاء فاقعة في النهار وقاتمة الحزن ليلا .. 

في هذه المدينة يا أمي كل الوجوه تنذر بالبؤس .. و المطر يهطل سريعا ليغسل الحزن عن وجوه الغرباء مثلي .. شيء ما يحدثني أني من رحم هذه المدينة خلقت .. شيء ما يشدني لليلها فـ أبات صريعة الحنين ..

لا شيء هنا يثير الاهتمام سوى الحزن الجاثي على وجه المدينة وهو يقرع القلوب على مهل .. هنا يا أمي كل شيء قابل للموت وللحياة في آن وأحد ..

في كل صباح تمازحني صديقتي ميسون .. وأنا أخبئ حفنات من العطر في زوايا جسدي أن هذا العطر الفرنسي الفاخر لا يناسب هذه المدينة الرثة .. وأني أبالغ في التطيب منه .. وما علمت أني أخبئ تفاصيل رجلي في تلك الزوايا .. لانعطف على نهديّ كلما أنهكني الحنين إليه .. فأشتمه ملء الرئتين..

هنا يا أمي لا شيء يصادق القلوب كالظلام ..في الشارع الخلفي لمنزلنا يلتقي عاشقين كل ليلة .. وفي هذه الليلة لم تأتي جميلة للقاء .. فظل وائل تحت الشرفة ينتظرها وهو مسند الظهر على عامود إنارة كهل ..

هنا يا أمي كل شيء يركض صباحا نحو اللأ شيء ..هنا البؤس الممزوج بالصدق يرتسم على وجوه صغار جارتنا .. البيوت هنا مكشوفة السقف يا أمي والبحر تراوده البواخر الهرمة بينما يداعبها نسيمه بفحش ..

الناس هنا طيبون جدا وبائسون جدا يا أمي .. تنام مدينتهم باكرا لتنهض أحزانهم ليلا فتسامرهم بوجل يمضي الوقت بطيئا في أول الليل ليزداد وقعه كلما لمعت النجوم من ثقب النافذة حيث أراقبها وأنا أتوسد كفي في ضجر بينما ينام على صدري كتاب تاريخ هزيل ..
 لو أن أحدا ما سألني كم نجما في سماء تلك المدينة لأجبته على الفور نجمان .. نجمان يحرسان سمائها كـ إلهين يتناوبان على سكب البؤس والحب بها ..

في كل مساء يتوجب علي كتابة رسالة عاجلة .. لكل من " أريج ،، رجاء ،، منى و عصام .." فـ كل شيء هنا يدفعني لأن اكتب بحنين
فـ الأوراق البيضاء تباع على زوايا الأرصفة في أكشاك مربعة تزينها صور فتيات شبه عاريات دون أسفل منهن عبارة ملكات جمال .. 

عند زاوية الشارع يجلس طفل يبيع كتب قديمة اكتشفت مؤخرا أنها تعود لأبيه المريض .. حيث دفعته الفاقة لبيعها ،، هنا يا أمي كل شيء يباع ولا شيء يشترى .. 

أنا الآن يا أمي معصوبة الفؤاد .. والعمر ينزف دَم حنين متخثر .. حقيبتي ما تزال على حالها .. فكل الثياب فيها تذكرني بوجه من مدينتي .. وجهي بات يفضحني يا أمي بات يحكي للمارة عن وطن الخيبات بداخلي .. هنا يا أمي يمر النهار بسيطا تكحله خيوط شمس مستبدة هنا لا شيء غير الجوع يقف كالفزاعة بوجه الناس ..

بجوار منزلنا تنام شجرة رمان لا اعرف في أي فصل ستزهر .. كلما خرجت صباحا ألقيت التحية عليها ولا أعرف لم .. 

مازلت يا أمي وكالشياطين أخضع لسطوة المزاج في الكثير من تفاصيل يومي ..مازلت ارفض القهوة صباحا ..

هنا يا أمي كل الأشياء جميلة وبسيطة تدفعني دونما وعي لنوبة بكاء هستيري ,, الكتابة مساء تزيد هذه المدينة صخبا وجنونا تزيدها حزنا على حزنها .. هنا يا أمي كلما حار النهار دفعني نحو الليل على هيئة أسئلة عقيمة .. ،

منذ سكنت هذه المدينة يا أمي وأنا لم أعد أقرأ كثيرا فهنا تتشكل البيوت على هيئة كلمات تسطرها أعمدة الإنارة ليخرج صوت الناس من بين ذلك كله على شكل نقاط تشي بنهاية سطر ما فتتجلى المدينة كرواية تكتب حيا على الهواء ..

آه لو تعلمين يا أمي أي فارق تشكله هذه المدينة بداخلي .. 

هنا ينفذ الضوء من شقوق صغيرة على جانبي النافذة لاستيقظ ما أن تقع خيوطه على وجنتي ،، هنا أشياء كثيرة تشبهني وأشياء أخرى تذكرني بحزن تسلق العمر باكرا ،،

في هذه الساعة المتأخرة من الحزن سأكف عن الكتابة إليكِ وداخلي شغف يهتف باسمك يا أمي .. بداخلي نهر حنين جارف لكل شيء بتلك المدينة العالقة بداخلي ..،





بقلم المبدعة : لحظة لقاء

هناك تعليق واحد: